مصطفى صادق الرافعي

115

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

والأجداد ، والذهاب مع الوهم في كل مذهب ، وعدم المبالاة إلا بما يلحقهم بآبائهم ويجعلهم في عداد الماضين ، ليكون لهم فيمن يخلفهم من الشأن والتقديس والتعظم بهم ما كان فيهم لمن تقدمهم فيتّقون سوء القالة وخبث الأحدوثة ، وسائر ما يفسد عليهم هذا الشأن ، بكل ما وسعهم ، لا يألون في ذلك جهدا ، ولا يغمضون فيه ولا يتقدمون في سدّ غيره قبل إحكامه واستفراغ قوتهم له ، إلى غير هذا مما هو معروف متظاهر عنهم . ثم كان هواهم كله في الشعر ، لأنه عبادة أرواحهم لطبيعة أرضهم ، وهو الصلة المحفوظة بينهم وبين ماضيهم ؛ فجاء القرآن يسفّه تلك الطباع منهم ، ويحول بينهم وبين ذلك الماضي ، ويصرفهم إلى العمل ، ويذهب عنهم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، ويأتيهم بالبصائر من ربهم ، ويهديهم بالعقل إلى أسرار الطبيعة ليعلموا أنها مسخّرة لهم فلا يسخروا أنفسهم لها ، وحرّم عليهم التقديس وما في حكمه ، وبصرهم بما مسّهم من طائف الشيطان وما نزغهم من أمره ، خيالا أو وهما أو شعرا أو عبادة ، وجعل أفضل الفضائل في الذي قام يدعو وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه ابن يومه ، وابن عمله ، وابن عقله ، فلا هو مفاخر ولا واهم ولا شاعر ، وتلك أخصّ فضائلهم الاصطلاحية ، وخاطبه بهذه الآية الكريمة التي هي روح الثبات في أمم العلم والعمل ، وهي قوله : وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ « 1 » . فكيف يمكن أن يكون هذا القرآن مع ذلك كله مما يطابق أرض العرب في طبيعتها وهي ما علمت ؟ وكيف يتفق أن يكون كل ذلك من صنعة رجل قد نشأ فيهم واتصل بهم وذهبت عروقه بينهم واشجة ، وهو من صميمهم نسبا ووراثة ، يعرفونه ويحققون جملة أمره . . ولم يخرج عنهم قط للعلم أو الطلب ، ولا طرأ عليهم من غير أرضهم ، ولا أنكروا عليه أمرا من لدن نشأته إلى حد الكهولة ، وإلى أن دبّ الشيب في عذاريه وهم مستيقنون أنه ما كان يتلو من قلبه من كتاب ولا يخطّه ؟ . وما عهدنا رجلا من علماء التاريخ قد أهاب بأمة طبيعية كالعرب ، ذات بأس وصرامة وحمية وحفاظ وذات خيال وتصور - يدعوها أن تخلع نفسها مما هي فيه وأن تضع أعناقها للحق الذي لم تألفهم حقا ، وأن تعطيه مع ذلك محض ضمائرها ، وتسوّغه تاريخها وعاداتها وما هو أكبر من تاريخها وعاداتها ! وهم لا يرونه في ذلك إلا مسخوط الرأي ذاهب الوهم ، بعيدا منهم ومن نفسه ومن الحقيقة جميعا ، ولا يرون من أمره ذلك إلا قلة وضرعا وهوانا واستخفافا وإن كانوا يعرفونه بحسن الخلق وصفاء الذمة وتخشّع السمت ، ويعرفون أنه لا يريد ملكا لا يبغي دولة يتصنع لحدث من الأحداث السياسية

--> ( 1 ) ذكر البراءة من العمل دون البراءة منهم ، كأنه يقول : إنا قد اختلفنا فلنتجادل أعمالنا ، فلستم من عملي ولكنكم صائرون إليه لأنه الحق .